أهم الأخبارالعرض في الرئيسةفضاء حر

في ظل انهيار الدولة.. هل يُدفع اليمن نحو احتراب قبلي مفتوح؟

يمنات

فيصل بن أمين أبوراس

يدفع اليمن، منذ عقود، جزءًا كبيرًا من أثمان موقعه الجغرافي وحساسيته الجيوسياسية. فلا قبِل به جواره عضوًا في تكتلاته، ولا سمح له بأن يكون عضوًا في تكتلات أخرى. وحين يستأثر المركز بالقرار السياسي والاقتصادي، ويحتكر المصالح والمنافع، دون اعتماد سياسة تنموية متوازنة تُشرك الأطراف وتمنحها نصيبًا عادلًا من التنمية والسلطة والثروة، فإن ذلك يُنتج اختلالات عميقة في بنية الدولة والمجتمع، بدلًا من أن يعزز تماسكهما ويحصنهما.

وعندما يتحول المركز، وفق حسابات ومصالح دول الجوار، إلى مصدر قلق أو تحدٍّ لمحيطه، تبدأ – من وجهة نظر تلك الدول – محاولات إضعافه وإعادة تشكيل موازين القوى داخله، عبر عمليات معقدة قد تُفضي، في بعض الأحيان، إلى تمكين الأطراف من السيطرة على المركز، وإفراغه تدريجيًا من أدوات قوته وقدرته على إدارة الدولة. وهذا ما حصل۔

ومع مرور الوقت، تترهل شبكات الأمان الوطنية المتمثلة في مؤسسات الدولة، ويضعف الجيش، وتتآكل قدرتهما على القيام بوظائفهما الأساسية.

وتبقى القبيلة، بما تمثله من منظومة أعراف وقيم وآليات لفض النزاعات، شبكة الأمان الاجتماعية الأخيرة. وإذا ما تعرضت هذه المنظومة للاستهداف أو التشويه أو الإضعاف، فإن المجتمع يصبح أكثر قابلية للتوحش، وتتسع دوائر الخلاف والثأر، ويغدو ترميم النسيج الاجتماعي مهمة شاقة ومعقدة.

ولهذا، يبدو أن هناك سعيًا حثيثًا وعملًا ممنهجًا لاستدراج القبائل إلى ساحات الاحتراب فيما بينها، وإلى جولات من الدماء ومفاقمة الثارات المتراكمة، بما يجعل الحفاظ على بيئة مستقرة وآمنة أمرًا بالغ الصعوبة، ويُعقّد، في الوقت نفسه، أي مشروع جاد لاستعادة الدولة.

فبعد كل قضية خلافية، ترتفع حدة الاصطفافات القبلية، وتُستدعى رواسب الماضي، وتُستنهض مشاعر العصبية والثأر، وكأن هناك من يسعى إلى إعادة القبيلة إلى مراحل عقلية الغزو والفيد، واستحضار ممارسات ما قبل الدولة الحديثة، بما يؤدي إلى مزيد من تمزيق المجتمع اليمني ودفعه نحو مزيد من التشظي والانقسام.

واللافت أن القوى المنضوية تحت عنوان الشرعية، والتي ترفع شعار استعادة الدولة والعاصمة من جماعة سلطة الأمر الواقع، وتمارس نشاطها السياسي والإعلامي من خارج البلاد، لم تنجح حتى الآن في بناء نموذج مؤسسي جاذب في المناطق الواقعة تحت نفوذها، رغم ما تمتلكه تلك المناطق من مساحة جغرافية واسعة، وموانئ ومطارات وحدود وثروات، فضلًا عن علاقات واعترافات دولية ومدن رئيسية. فلو كان مشروع استعادة الدولة يحظى بإرادة حقيقية وإدارة رشيدة، لكان بالإمكان تقديم نموذج ناجح يلتف حوله اليمنيون، وهو ما لم يتحقق حتى اليوم، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة الأهداف والاعتبارات التي تحكم المشهد.

وفي المقابل، تبدو جماعة سلطة الأمر الواقع في صنعاء معنية ببناء نموذج دولة منسجم مع رؤيتها الفكرية والعقدية الخاصة، وهي رؤية لا تحظى بقبول قطاع واسع من اليمنيين. كما أن محاولة فرضها بالقوة تجعل إمكانية بناء دولة وطنية جامعة أكثر تعقيدًا. ويبدو أن حالة من الاعتماد المتبادل، أو ما يمكن وصفه بالتخادم غير المعلن، تسهم في إدامة المشهد القائم، إذ يستمد كل طرف جانبًا من شرعيته واستمراره من إخفاق الطرف الآخر وعجزه عن تقديم بديل مقنع.

وفيما يتعلق بالقضية المثارة بشأن أحد مشايخ دهم ولحيقته، فقد تجاوزت تداعياتها حدود الخلاف المحدود، واتسعت لتشمل قطاعات قبلية أوسع، في ظل تبريرات تربط القضية بادعاءات تتعلق بهوية المرأة المعنية ونسبها. وفي أجواء مشحونة بالتوتر وقرع طبول المواجهة، تتزايد احتمالات وقوع الضرر والظلم على أطراف متعددة.

وبصرف النظر عن القناعات الشخصية أو الروايات المتداولة، فإن حسم مثل هذه المسائل لا ينبغي أن يتم عبر التصعيد أو الاحتكام إلى القوة، وإنما من خلال الوسائل العلمية والقانونية المتاحة. فإذا أمكن إجراء فحوصات جينية في الخارج لإثبات أو نفي انتساب المرأة إلى الأسرة التي تدّعي أنها ابنتها، فإن نتائج هذه الفحوصات قد تساعد في ترجيح إحدى الروايتين، بما يترتب على ذلك من آثار اجتماعية وقبلية وقانونية، بعيدًا عن التوظيف السياسي أو التحشيد القبلي.

ويبقى التساؤل مشروعًا: هل يمكن استبعاد احتمال توظيف مثل هذه القضايا لإشعال جبهات صراع قبلي بين مكونات اجتماعية تنتمي إلى بيئات سياسية متباينة، خصوصًا في ظل ما تراكم خلال سنوات الحرب من ثارات وأحقاد وآلام ورغبات في الانتقام؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تستوجب قدرًا كبيرًا من الحكمة واليقظة، لأن انزلاق القبائل إلى مواجهات مفتوحة قد يعني خسارة آخر شبكات الأمان الاجتماعي التي لا يزال اليمنيون يعولون عليها في منع الانهيار الشامل.

زر الذهاب إلى الأعلى
Your request was blocked.